السيد عبد الأعلى السبزواري
208
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
سلسلة العلل والمعلولات . ومن ذلك يعلم النظر في ما عن بعض المفسّرين من الإشكال في تعلّق القدرة بالأمور الاعتبارية ، لأنها غير مستندة إليه عزّ وجلّ ، إذ لا وجود حقيقي لها أصلا ، وإنما وجودها اعتباري لا يتعدّى ظرف الاعتبار والوضع ، فاستشكل في انتساب ما في الشريعة من الأحكام التكليفيّة والوضعيّة إليه تعالى ، لأن كلّها أمور اعتبارية . ولكنه أجاب عن ذلك بأنها وإن كانت كذلك ، إلّا أن آثارها أمور حقيقيّة مقصودة تنسب إليه عزّ وجلّ وتتعلّق بها القدرة . وما ذكره قدس سرّه تطويل بلا طائل تحته ، فإن تعلّق القدرة بالأثر عين تعلّقها بمنشإ الأثر ، فإنه إذا تعلّقت بأحدهما تتعلّق بالآخر ، وكونها أمرا اعتباريا لا يوجب عدم الانتساب ، وما سواه يفتقر إليه تعالى ومنسوب إليه عزّ وجلّ إما بواسطة أو بغيرها ، كما عرفت . قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً . بيان لما تقدّم في الآيات الشريفة وشرح إجمالي لبعض خصوصيات المصير إليه ، وإعلام بكشف الحقائق ، وظهور الأعمال وبروز الأسرار وما تطويه الضمائر والأحوال ، وإرشاد للتحذّر عمّن خضعت له الأملاك والأفلاك ، والتعريض للعباد بالرأفة بهم في أشدّ حالات احتياجهم إليها يوم التناد ، فيكون ما في الآية الشريفة برهانا ودليلا على ما تقدّم في الآيات بأتمّ برهان وهو الوجدان . وتجد من الوجدان وهو حضور الشيء لدى النفس ، وهو إما في الدنيا ، وذلك إما أن يكون عين الواقع كالإحساس بحرارة النار أو برودة الماء ونحو ذلك ، أو تكون من الأمور الوجدانيّة المستعملة في العلوم التي تكون مشوبة بالتخيّلات والأوهام حتى تعدّ بعض المعتقدات من الوجدانيّات . وأما في الآخرة وهو كشف الواقع بما هو عليه في نفس الأمر بلا مدخلية شيء من الوهم والخيال فيه ، وهو الوجدان الحقيقي . والظرف « يوم » متعلّق بالمصير في قوله تعالى : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، الذي